الشيخ محمد رشيد رضا

344

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

آدم لم يكن يبيح ذلك ، فان هذا من الرجم بالغيب ، والدفاع قد يكون بما دون القتل ، وليس في الكلام تصريح بعدم الدفاع البتة ، وانما فيه التصريح بعدم الاقدام على القتل ، وقد قال نبينا ( ص ) « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار - قيل يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال - انه كان حريصا على قتل صاحبه » رواه أحمد والشيخان وغيرهم . * * * ولما كان مثل هذا التأمين والوعظ البليغ لا يؤثر في كل نفس ، قفّى عليه هذا الأخ البارّ بالتذكير بعذاب الآخرة ، فقال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي اني أريد بما ذكرت من اتقاء مقابلة الجناية بمثلها ان ترجع أنت ان فعلتها متلبسا بإثمي واثمك . أي إثم قتلك إياي ، وإثمك الخاص بك الذي كان من شؤمه عدم قبول قربانك ، وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس ( رض ) وفيه وجه آخر وهو انه مبني على كون القاتل يحمل في الآخرة إثم من قتله إن كان له آثام ، لأن الذنوب والآثام التي فيها حقوق للعباد لا يغفر اللّه تعالى منها شيئا حتى يأخذ لكل ذي حق حقه ، وانما القصاص في الآخرة بالحسنات والسيئات ، فيعطى المظلوم من حسنات الظالم ما يساوي حقه إن كان له حسنات توازي ذلك ، أو يحمل الظالم من آثام المظلوم وأوزاره ما يوازي ذلك ان كان له آثام وأوزار ، وما نقص من هذا أو ذاك ، يستعاض عنه بما يوازيه من الجزاء في الجنة أو النار . وفي ذكر المتكلم اثمه واثم أخيه تواضع وهضم لنفسه بإضافة الاثم إليها على الوجه الثاني ، وتذكير للمخاطب بأنه ليس له حسنات توازي هذا الظلم الذي عزم عليه ، ولذلك رتب عليه قوله : فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ أي تكون بما حملت من الإثمين من أهل النار في الآخرة لأنك تكون ظالما ، والنار جزاء كل ظالم ، فتكون من أهلها حتما - ترقى في صرفه عن عزمه من التبرؤ اليه من سبب حرمانه من قبول قربانه ببيان سبب التقبل عند اللّه تعالى وهو التقوى - إلى تنزيه نفسه من جزائه على جنايته بمثلها - إلى تذكيره بما يجب من خوف اللّه تعالى رب العالمين الذي لا يرضيه ممن وهبهم العقل والاختيار الا ان يتحروا إقامة سننه في تربية العالم وابلاغ كل حي يقبل الكمال إلى كماله - إلى تذكيره بأن المعتدي يحمل اثم نفسه